بسم الله الرحمـــــــن الرحيم و صلى الله على سيدنا محمد خير المرسلين و على آله و سلم تسليما

الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا و لم يكن له شريك في الملك و لم يكن له و لي من الذل و كبره تكبيرا الله أكبر الله أكبر الله أكبر, لا إله إلا الله و الله أكبر و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم

اقرأ : الله جلَّ جلالُه فوق المكان و الزمان

اقرأ: بما تجيب من يسألك: ما الله؟

اقرأ : التقريب بين المدارس الإسلامية و دور التصوف فيه

اقرأ : من هي الفرقة الناجية؟

قال تعالى: يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِل لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْد اللَّه أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّه عَلِيم خَبِير

و قال عز وجل: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ  بِإذْنِ اللهِ  ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير، جَنَّاتُ عَدْن ٍ يَدْخُلُونَهَا

أسرار الصوم وشروطه الباطنة للإمام الغزالي

كتبهاsaraislam ، في 25 أغسطس 2009 الساعة: 14:27 م

بسم الله الرحمن الرحيم

اعلم أن الصوم ثلاث درجات‏:‏ صوم العموم وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص‏.‏

أما صوم العموم فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة كما سبق تفصيله‏.‏

وأما صوم الخصوص فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام‏.‏

وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب‏:‏ من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين ولا يطول النظر في تفصيلها قولاً ولكن في تحقيقها عملاً فإنه إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل وانصراف عن غير الله سبحانه وتلبس بمعنى قوله عز وجل ‏"‏ قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ‏"‏

وأما صوم الخصوص وهو صوم الصالحين فهو كف الجوارح عن الآثام وتمامه بستة أمور‏:‏

الأول‏:‏ غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر إلى كل ما يذم ويكره وإلى كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله عز وجل قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ النظرة سهم مسموم من سهام إبليس لعنه الله فمن تركها خوفاً من الله آتاه الله عز وجل إيماناً يجد حلاوته في قلبه ‏"‏ وروى جابر عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏ خمس يفطرن الصائم الكذب والغيبة والنميمة واليمين الكاذبة والنظر بشهوة ‏"‏‏.‏

الثاني‏:‏ حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء وإلزامه السكوت وشغله بذكر الله سبحانه وتلاوة القرآن فهذا صوم اللسان‏.‏
وقد قال سفيان‏:‏ الغيبة تفسد الصوم‏.‏
رواه بشر بن الحارث عنه‏.‏
وروى ليث عن مجاهد‏:‏ خصلتان يفسدان الصيام الغيبة والكذب‏.‏
وقال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم ‏"‏ وجاء في الخبر ‏"‏ أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهدهما الجوع والعطش من آخر النهار حتى كادتا أن تتلفا فبعثتا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذناه في الإفطار فأرسل إليهما قدحاً وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ قل لهما قيئا فيه ما أكلتما فقاءت إحداهما نصفه دماً عبيطاً ولحماً غريضاً وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه فعجب الناس من ذلك فقال صلى الله عليه وسلم هاتان صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله تعالى عليهما‏.‏
قعدت إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يغتابان الناس فهذا ما أكلتا من لحومهم ‏"‏

الثالث‏:‏ كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت فقال تعالى ‏"‏ سماعون للكذب أكالون للسحت ‏"‏ وقال عز وجل ‏"‏ لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت ‏"‏ فالسكوت على الغيبة حرام وقال تعالى ‏"‏ إنكم إذاً مثلهم ‏"‏ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ المغتاب والمستمع شريكان في الإثم ‏"‏

الرابع‏:‏ كف بقية الجوارح عن الآثام من اليد والرجل عن المكاره وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار‏.‏
فلا معنى للصوم وهو الكف عن الطعام الحلال ثم الإفطار على الحرام‏.‏
فمثال هذا الصائم مثال من يبني قصراً ويهدم مصراً فإن الطعام الحلال إنما يضر بكثرته لا بنوعه فالصوم لتقليله‏.‏
وتارك الاستكثار من الدواء خوفاً من ضرره إذا عدل إلى تناول السم كان سفيهاً‏.‏
والحرام سم مهلك للدين‏.‏
والحلال دواء ينفع قليله ويضر كثيره‏.‏
وقصد الصوم تقليله‏.‏
وقد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ‏"‏ فقيل هو الذي يفطر على الحرام وقيل هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو حرام وقيل هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام‏.‏

الخامس‏:‏ أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلىء جوفه فما من وعاء أبغض إلى الله عز وجل من بطن مليء من حلال‏.‏
وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطره ما فاته ضحوة نهاره وربما يزيد عليه في ألوان الطعام حتى استمرت العادات بأن تدخر جميع الأطعمة لرمضان فيؤكل من الأطعمة فيه ما لا يؤكل في عدة أشهر‏.‏
ومعلوم أن مقصود الصوم الخواء وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى‏.‏
وإذا دفعت المعدة من ضحوة نهار إلى العشاء حتى هاجت شهوتها وقويت رغبتها ثم أطعمت من اللذات وأشبعت زادت لذتها وتضاعفت قوتها وانبعث من الشهوات ما عساها كانت راكدة لو تركت على عادتها‏.‏
فروح الصوم وسره تضعيف القوى التي هي وسائل الشيطان في العود إلى الشرور ولن يحصل ذلك إلا بالتقليل وهو أن يأكل أكلته التي كان يأكلها كل ليلة لو لم يصم فأما إذا جمع ما كان يأكل ضحوة إلى ما كان يأكل ليلاً فلا ينتفع بصومه‏.‏
بل من الآداب أن لا يكثر النوم بالنهار حتى يحس بالجوع والعطش ويستشعر ضعف القوي فيصفو عند ذلك قلبه ويستديم في كل ليلة قدراً من الضعف حتى يخف عليه تهجده وأوراده فعسى الشيطان أن لا يحوم على قلبه فينظر إلى ملكوت السماء‏.‏
وليلة القدر عبارة عن الليلة التي ينكشف فيها شيء من الملكوت وهو المراد بقوله تعالى ‏"‏ إنا أنزلناه في ليلة القدر ‏"‏ ومن جعل في قلبه وبين صدره مخلاة من الطعام فهو عنه محجوب‏.‏
ومن أخلى معدته فلا يكفيه ذلك لرفع الحجاب ما لم يخل همته عن غير الله عز وجل‏.‏

السادس‏:‏ أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فهو من المقربين أو يرد عليه فهو من الممقوتين وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها فقد روي عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال‏:‏ إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه لطاعته فسبق قوم ففازوا وتخلف أقوام فخابوا فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون‏.‏
أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته أي كان سرور المقبول يشغله عن اللعب وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك‏.‏
وعن الأحنف بن قيس‏:‏ أنه قيل له إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك فقال‏:‏ إني أعده لسفر طويل والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه‏.‏

فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم‏.‏

فإن قلت‏:‏ فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني فقد قال الفقهاء‏ صومه صحيح فما معناه ؟

فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة لاسيما الغيبة وأمثالها ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم الغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته‏.‏

فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحة القبول وبالقبول الوصول إلى المقصود‏.‏
ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل وهو الصمدية والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان فإنهم منزهون عن الشهوات‏.‏
والإنسان رتبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين والتحق بغمار البهائم وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين والتحق بأفق الملائكة‏.‏
والملائكة مقربون من الله عز وجل والذي يقتدي بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم فإن الشبيه من القريب قريب وليس القرب ثم بالمكان بل بالصفات‏.‏
وإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب الألباب وأصحاب القلوب فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار ولو كان لمثله جدوى فأي معنى لقوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش ‏"‏ ولهذا قال أبو الدرداء‏:‏ يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف لا يعيبون صوم الحمقى وسهرهم‏!‏ ولذرة (عبادة)من ذوي يقين وتقوى أفضل وأرجح من أمثال الجبال عبادة من المغترين‏.‏
ولذلك قال بعض العلماء كم من صائم مفطر وكم من مفطر صائم‏.‏
والمفطر الصائم هو الذي يحفظ جوارحه عن الآثام ويأكل ويشرب والصائم المفطر هو الذي يجوع ويعطش ويطلق جوارحه‏.‏
ومن فهم معنى الصوم وسره علم أن مثل من كف عن الأكل والجماع وأفطر بمخالطة الآثام كمن مسح على عضو من أعضائه في الوضوء ثلاث مرات فقد وافق في الظاهر العدد إلا أنه ترك المهم وهو الغسل فصلاته مردودة عليه بجهله ومثل من أفطر بالأكل وصام بجوارحه عن المكاره كمن غسل أعضاءه مرة مرة فصلاته متقبلة إن شاء الله لإحكامه الأصل وإن ترك الفضل‏.‏
ومثل من جمع بينهما كمن غسل كل عضو ثلاث مرات فجمع بين الأصل والفضل وهو الكمال‏.‏
وقد قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته ‏"‏ ولما تلا قوله عز وجل ‏"‏ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ‏"‏ وضع يده على سمعه وبصره فقال‏:‏ السمع أمانة والبصر أمانة ‏"‏ ولولا أنه من أمانات الصوم لما قال صلى الله عليه وسلم ‏"‏ فليقل إني صائم ‏"‏ أي إني أودعت لساني لأحفظه فكيف أطلقه بجوابك فإذن قد ظهر أن لكل عبادة ظاهراً وباطناً وقشراً ولباً ولقشرها درجات ولكل درجة طبقات‏.‏
فإليك الخيرة الآن في أن تقنع بالقشر عن اللباب أو تتحيز إلى غمار أرباب الألباب‏.‏

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شهر رمضان, غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “أسرار الصوم وشروطه الباطنة للإمام الغزالي”

  1. فضل يوم عرفة ، والاستعداد للعيد

    يقول الله تعالى : : ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا ) و قال تعالى : (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) (لقمان:20)

    فنعم الله على العباد كثيرة لا تعد ولا تحصى ، وإن من أعظمها هو ما هدانا لهذا الدين وجعلنا من أمة خير المرسلين صلى الله عليه وسلم ، ثم عباد الله ما أنتم فيه اليوم من اجتماع يومين عظيمين يوم الجمعة و عرفة كيف لا وهو يوم أكمل الله فيه الدين وأتمم فيه النعمة حيث قال : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } (3) سورة المائدة

    ففي مثل هذا اليوم نزلت هذه الآية ، قال رجل من اليهود لعمر رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال: أي آية؟ قال: ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً [المائدة:3]، قال عمر: (إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه والمكان الذي نزلت فيه أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قائم بعرفة يوم الجمعة). رواه البخاري ومسلم .

    أيها المسلمون : وهذا اليوم جمع فضائل عدة منها :

    أنه يوم عيد لأهل الإسلام قال صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب ) “رواه أهل السّنن”

    وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (نزلت – أي آية (اليوم أكملت)- في يوم الجمعة ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد).

    ولعظيم هذا اليوم فقد أقسم الله به ولا يقسم ربنا إلا بعظيم قال تعالى : {وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ }البروج3.

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اليوم الموعود : يوم القيامة، واليوم المشهود : يوم عرفة ، والشاهد : يوم الجمعة) رواه الترمذي وحسنه الألباني.

    وهذا اليوم هو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ }الفجر3. قال ابن عباس: الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة، وهو قول عكرمة والضحاك.

    ومن فضائل هذا اليوم أن صيامه يكفر سنتين ، نعم سنتين ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (يكفر السنة الماضية والسنة القابلة) رواه مسلم.

    وقد استحب العلماء رحمهم الله لغير الحاج أن يصوم هذا اليوم ليشارك الحجاج ويتعرض لنفحات الله تعالى ويحوز الأجر العظيم ،

    ومن فضائل هذا اليوم العظيم أنه اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق على ذرية آدم.

    فعن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بِنَعْمان- يعني عرفة- وأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنثرهم بين يديه كالذّر، ثم كلمهم قِبَلا، قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } {أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } (الأعراف: 172 ، 173) رواه أحمد وصححه الألباني.

    وهذا اليوم عباد الله : يوم فخر وعزة للإسلام والمسلمين ، فقد احتشدوا في مكان واحد وبإزار واحد وجاءوا من كل فج عميق فهو آية عظيمة على قدرة الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه يرى مكانهم ويعلم حالهم ويسمع كلامهم على اختلاف ألسنتهم فسبحانه من إلاه عظيم جل عن الأشباه والأنداد وتقدس عن الصاحبة والأولاد .

    ومن الفضائل أيضاً : أنه يوم مغفرة الذنوب والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف:

    ففي صحيح مسلم عن عائشة _رضي الله عنها_ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدأ من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟).

    قال ابنُ عبدُ البر : وهذا يدلُ على أنهم مغفورٌ لهم لأنه لا يباهي بأهل الخطايا إلا بعد التوبة والغفران والله أعلم أهـ .

    وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبراً) رواه أحمد وصححه الألباني.

    قال ابن القيم رحمه الله : “أنه في يوم عرفة يدنو الرّبُّ تبارك وتعالى عشيةَ مِن أهل الموقف، ثم يُباهي بهم الملائكة فيقول‏:‏ ‏(‏مَا أَرَادَ هؤُلاءِ، أُشْهِدُكُم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُم‏)‏ وتحصلُ مع دنوه منهم تبارك وتعالى ساعةُ الإِجابة التي لاَ يَرُدُّ فيها سائل يسأل خيراً فيقربُون منه بدعائه والتضرع إليه في تلك الساعة، ويقرُب منهم تعالى نوعين من القُرب، أحدهما‏:‏ قربُ الإِجابة المحققة في تلك الساعة،

    والثاني‏:‏ قربه الخاص من أهل عرفة، ومباهاتُه بهم ملائكته، فتستشعِرُ قلوبُ أهل الإِيمان بهذه الأمور، فتزداد قوة إلى قوتها، وفرحاً وسروراً وابتهاجاً ورجاء لفضل ربها وكرمه، فبهذه الوجوه وغيرها فُضِّلَتْ وقفةُ يومِ الجمعة على غيرها‏ ” هــ .

    فيا عباد الله : يوم هذه فضائله ومزاياه ، وهذه منزلته ودرجته ، أيليق أن نفرط فيه ؟ أو نعرض عن التعرض فيه لنفحات ربنا وعظيم عفوه ورحمته ؟

    لا والله ، إن المستحب لكل مسلم أن يستغل هذه الفرصة العظيمة بالإكثار من العمل الصالح من ذكرٍ ودعاءٍ وقراءةٍ وصلاةٍ وصدقةٍ لعله أن يحظى من الله تعالى بالمغفرة والعتق من النار .

    أيها المسلمون : لنكثر من الدعاء والتضرع بين يدي ربنا وخالقنا سبحانه وتعالى ، فهذا يوم إجابة ، وقد قال ربكم { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (60) سورة غافر

    هذا اليوم يوم خوف وخشوع وخشية من الله ، يوم يذل فيه المؤمنون لربهم مخبتين يوم البكاء والانكسار بين يدي الغفور الرحيم، يلحون بخير الدعاء قال النبي صلى الله عليه وسلم خير ما قلت أنا والنبيون قبلي : ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) رواه الترمذي وحسنه الألباني.

    فلنحرص على الإكثار من الدعاء مع تحصيل أسباب الإجابة من الخوف والتضرع والذل والانكسار بين يدي الله ، ومن إطابة للمطعم والمشرب ، والبعد عن معوقاتها ، من الذنوب صغيرها وكبيرها ، والتعدي في الدعاء والظلم فإنه من أعظم الموانع .

    عباد الله : ومن أحكام هذا اليوم :

    مشروعية الإكثار من الدعاء خصوصاً : قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) رواه الترمذي وحسنه الألباني.

    ومنها : أنه بفجر هذا اليوم العظيم يبدأ التكبير المقيد بأدبار الصلوات . وينتهي بغروب الشمس من يوم الثالث عشر .

    ومنها كذلك : أنه إذا صادف يوم جمعة فإنه يصام ولو صيام يوم قبله أو بعده يشرع صوم يوم عرفة إذا صادف يوم جمعة ولو بدون صوم يوم قبله ، وعموم النهي محمولاً على ما إذا أفرده المسلم بالصوم؛ لكونه يوم جمعة، أما من صامه لأمر آخر رغب فيه الشرع وحث عليه فليس بممنوع، بل مشروع ولو أفرده بالصوم، لكن إن صام يوماً قبله كان أولى لما فيه من الاحتياط بالعمل بالحديثين، ولزيادة الأجر. – فتاوى اللجنة الدائمة –

    ومن الأحكام كذلك : أنه يجوز صيام يوم عرفة مستقلاً سواء وافق يوم السبت أو غيره من أيام الأسبوع لأنه لا فرق بينها؛ لأن صوم يوم عرفة سنة مستقلة وحديث النهي عن يوم السبت ضعيف لاضطرابه ومخالفته للأحاديث الصحيحة – فتاوى اللجنة الدائمة –

    ومن الأحكام : أن يجوز صيام هذا اليوم ولو كان على المسلم قضاء من رمضاء ، والمشروع للمسلم المبادرة بالقضاء .

    بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة ، ونفعنا بهدي خير المرسلين ، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ….

    الخطبة الثانية :

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد عباد الله : فإن الله تعالى قد شرع لكم الأضاحي والتقرب إلى الله بذلك ، وهي شعيرة عظيمة ، وسنة مؤكدة ، ومن أراد أن يضحي فلا يمس من شعره وظفره ، وهذا النهي خاص بالمضحي دون من يضحى عنهم ، وتجزئ الشاة عن الواحد وأهل بيته وعياله لحديث أبي أيوب ( كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون ) رواه ابن ماجة والترمذي وصححه .

    والمنصوص عليه في الأضاحي هي الإبل والبقر والغنم

    ويشترط فيها أن تبلغ السن المطلوبة وهي ستة أشهر في الضأن وفي المعز سنة وفي البقر سنتان وفي الإبل خمس سنين .

    وسلامتها من العيوب ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أربع لا يجزين في الأضاحي ، العوراء البين عورها ، المريضة البين مرضها ، والعرجاء البين ظلعها ، والعجفاء التي لا تنقي ) صحيح ، صحيح الجامع .

    وأن تذبح في وقتها المحدد ، وهذا الوقت هو من بعد صلاة العيد والخطبة ، وليس من بعد دخول وقتهما . إلى قبل مغيب شمس آخر أيام التشريق وهو اليوم الثالث عشر من أيام ذي الحجة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان ذبح قبل الصلاة فليُعد ) أخرجه البخاري ومسلم ، ولقول علي رضي الله عنه : ( أيام النحر يوم الأضحى وثلاثة أيام بعده) ويوم العيد هو أفضل وقت لها لفعله صلى الله عليه وسلم .

    ويذبحها بيده ، ويأكل ويهدي ويتصدق منها …

    أيها المسلمون : ونحن مقبلون غداً إن شاء الله على يوم عظيم ألا وهو العيد يوم النحر قال عنه صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: (يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب ) “رواه أهل السّنن”

    وقال : ((إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر))،رواه أبو داود ويوم القر: هو يوم الاستقرار في منى، وهو اليوم الحادي عشر . يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: خير الأيام عند الله يوم النحر، وهو يوم الحج الأكبر .

    عباد الله : وينبغي للمسلم في هذا اليوم أن يتأدب بآداب منها :

    التنظف والتطيب ، ولباس الحسن من غير إسراف ولا فخر ولا خيلاء .

    وأن يخرج ماشياً ويخالف في طريقه فيذهب للمصلى من طريق ويرجع من آخر . فعَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا. رواه ابن ماجه وحسنه الألباني .

    وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. رواه البخاري .

    وأن يخرج بخشوع وتذلل وانكسار بين يد الله تعالى ، وأن يخرج صائماً فلا يأكل إلا من أضحيته . وعلى المسلم أن يحيي ليلة العيد بالتكبير ، وأن يوسع على نفسه وعياله من غير إسراف . وأن يجتنب المعاصي والمنكرات ، ويكثر من الاستغفار والتوبة ، ويجعل من يوم العيد يوم فرح وسرور وزيارة للوالدين والأقارب والأرحام ، والأصدقاء ، ويجعل صدره واسعاً مسامحا لكل أحد . ولا بأس بالتهنئة يوم العيد كان يقول تقبل الله منكم ونحو ذلك .

    اللهم وفقنا لمرضاتك ، واغفر لنا ولآبائنا …..

  2. السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

    ما أجمل هذه المدونة الفاضلة

    كل عام وأنتم بخير

    تقبل الله تعالى

    منا ومنكم

  3. مدونه اسلاميه هاتفيدك جدا

    http://noureldens.maktoobblog.com/

  4. صياما مقبولا
    كل عام و أنتم بخير .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر

بسم الله نسعى الله على الله توكلنا يا فتاح يا رزاق ياربي لا تخيبنا, يا رازق الطير فالسما و رازق الحوت فالما افتح لي باب الأرزاق وارزقني ما نتمنى, سهلي سكرات الموت وافتح لي باب الجنة